ما هذا العنف؟!
نشر بتاريخ: 2026-09-06 الساعة: 05:09
موفق مطر
اعتداء مجموعة شبان على مواطن (بائع خروب) أمام ابنته الصغيرة في أحد شوارع مدننا، ومحاولة آخرين لخطف شرطي والمساومة عليه لإطلاق سراح أشخاص كانت الشرطة الفلسطينية قد ألقت القبض عليهم ويخضعون للتحقيق، ومشاهد العنف في الخلافات العائلية التي خلّفت قتلى وجرحى وممتلكات محروقة، تجبرنا على النظر - بمسؤولية أخلاقية ومجتمعية ووطنية - إلى مخاطر هذا التحدي لهيبة ورمزية القانون، والقيم الإنسانية التي نفترض ثبات مستواها في مجتمعاتنا.
لكن انتشار ظاهرة العنف، والخروج على النظام والقانون، وتراجع مؤشر الاحترام للمؤسسات الرسمية القانونية القضائية، يضعنا أمام تطبيقات عملية لمخطط انفلات أمني، يرهص لمشاهد أشد عنفًا وأقسى، تنتهي بانهيارات متتابعة، ستكون الروح الاجتماعية وصيغ الالتقاء والتكامل والتكافل المجتمعية الخاسر الأبرز فيها، ما يعني إفساح المجال أمام طغيان شريعة الغاب، ودخول مجتمعاتنا في مرحلة فقدان القدرة على التماسك والصمود، والانشغال بردات العنف والعنف المضاد، الذي سيؤدي حتمًا إلى إضعاف الثقة بالمؤسسات الرسمية بمسمياتها الثلاثة: القضائية، والتشريعية، والتنفيذية - بغض النظر عن الترتيب -، وهذا تمامًا ما تنتظره حكومة منظومة الاحتلال والاستيطان العنصرية، لرفع بدائل تبدو ظاهريًا أنها فلسطينية، لكنها في تركيبتها الذاتية فاقدة للأهلية الإنسانية التي هي الشرط الأساس لنمو مقومات الأهلية الوطنية.
ففقدان الثقة يعني الانفلات الأمني، وانهيار قواعد السلم الأهلي، الأمر الذي ستستغله للانقضاض على النظام السياسي الفلسطيني، وإحلال منظومة مرتبطة مصلحيًا ووجوديًا بمنظومة الاحتلال، حتى وإن بدت ظواهر الأمور والأحداث التي سيراها المواطنون خلاف ذلك.
ونعتقد أن المواطن الفلسطيني الصادق مع نفسه، الذي عاش حوالي عقدين في قطاع غزة، يدرك جيدًا كل هذه الإرهاصات التي أدت إلى قفز قوى سياسية مستخدمة للدين، وأخرى لشعارات طوباوية، مخالفة لمنطق مسار تحرر وتطور وتقدم المجتمعات، إلى مربع السلطة باستخدام العنف المسلح، الذي تم تبرير استخدامه بناءً على أحداث مشابهة لما نشهده الآن هنا في مناطق بالضفة الفلسطينية.
فالفكرة الأساس قائمة على جعل مكونات الشعب الفلسطيني المجتمعية في حالة اشتباك، فيما مجتمع الإرهاب الاستيطاني يتقدم ويتوسع على الأرض بشكل منظم، ما يسهل تمرير وتبرير جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية أمام الرأي العام الدولي. ويمكننا تأكيد ما نراه إذا وضعنا جرائم القتل والعنف المنتشرة بمساحة وأرقام غير مسبوقة لدى شرائح مجتمعية لدى مواطنين فلسطينيين في مناطق الـ48، وموقف المتفرج - إن لم يكن المشجع ضمنًا - الذي تتخذه الشرطة الإسرائيلية، رغم مسؤوليتها القانونية والرسمية عن معالجة الجريمة، أيا كان الجاني والمنطقة التي حصلت بها الجريمة. فهذا التغاضي وتجاهل جرائم العنف بتصنيفاتها المتعددة، وأخطرها العنف القاتل، ولكن بالمقابل الاهتمام البالغ وإنشاء ارتدادات، وكأنها ناتجة عن هزات أرضية، عندما يتعلق الأمر بعنف أو عنف قاتل في المجتمع الإسرائيلي، يؤكدان لنا المصدر الرئيس لهذا الخطر، والجهود المبذولة لحصر حرائقه المتنقلة في أرضية المجتمعات الفلسطينية، حيث الوجود التاريخي للشعب الفلسطيني على أرض وطنه فلسطين.
وهنا يكمن السؤال الأكبر: لماذا تتنامى ظاهرة العنف عندنا، بالتزامن مع استشعارنا بخطر يهدد وجودنا وكياننا المجتمعي والسياسي على حد سواء؟! ألا تبرهن جرائم الإبادة التي ترتكبها حكومة الصهيونية الدينية لدى دولة الاحتلال منذ ثلاث سنوات، وكذلك جرائم جيشها والمستوطنين الإرهابيين، على صحة وصواب التحذيرات والتقديرات التي سبقتها، جراء انتشار مفاهيم وتعاميم ومقولات منسوبة للتراث - البريء حتمًا - بلغت حد تقديس العنف وربطه بالشرف، وحرص البعض على إضعاف سلطة القضاء، لأهداف وغايات شخصية وفئوية محدودة!
أما الوجه الآخر للسؤال فهو: كيف يجرؤ البعض على الاستقواء بالعنف المادي والقاتل على أبناء البلد، مدنيين أو منتسبين لأجهزة أمنية، فيما الاحتلال والمستوطنون الإرهابيون قد فتحوا على شعبنا جبهة عنف دموي وإرهاب مسلح قاتل؟!
لا جواب نظري، بل عمل منظم وممنهج للسلطة القضائية، وسلطة الضبط القضائي التي هي جزء من السلطة التنفيذية، بتطبيق القانون، ونصب ميزان العدالة، وكف التدخل والتوسط من أي جهة كانت، ومحاسبة الجناة، وفقًا لعقيدة وفلسفة الحفاظ على السلم الأهلي. فالتطرف في العنف يحتاج إلى صلابة لتطبيق القانون، مع حرص شديد وأمين على الحقوق الممنوحة للإنسان في القانون.. أما التوجيه والتربية، فإنهما على عاتق المؤسسات التعليمية والثقافية، بما فيها الدينية.. وهذا يتطلب مراجعة دقيقة للمقولات والمفاهيم والسلوكيات، فنغربلها حتى لا يبقى في الغربال إلا التسامح والسلم الأهلي والمحبة والاحترام المتبادل على أساس الإخاء في الوطن.
mat